vendredi 28 octobre 2016

الذّكر والأنثى ولعبة المهد

الذّكر والأنثى ولعبة المهد:
مساهمة في "نقد الوعي..
الإسمنتي المسلّح"


"إنّ الطبيعة الإنسانية عند مضللي العقول ثابتة لا تتغير وكذلك الحال بالنسبة للعالم"
هربرت شيلر
إننا نصدر – في دراسة "الطبيعة والثقافة" – انطلاقا من أفق نظري محدد نطلق عليه الأفق الفلسفي النقدي ونؤكد على خاصية النقد ذلك أن "الفلسفة" إذا ما كفت عن ممارسة النقد وامتحان الأسس التي ينبني عليها الإنتاج الترميزي للإنسان بتجلياته المختلفة وسلوكاته المتباينة، عندها تتنكر الممارسة الفلسفية والخطاب الفلسفي لذاته فينقلب إلى وثوقي عندها - أيضا -  بكفّ العقل النقدي عن ممارسة فعله فيتكلّس، يخمد فيتحول من عقل / طاقة متفجرة إلى مادة جامدة. النقد إذن هو الذي يفجر مكبوته "المعيش" الرمزي المتجسّد في الرّؤى والأحلام واللباس والبلاغات ولافتات الإشهار.
إن مهمة الفلسفة المأمولة إنما تكمن بالأساس في تفجير وتعتعة ما يمكن أن نطلق عليه الوعي الإسمنتي المسلّح ذلك الوعي المغدور الذي كفّ عن "التفكير" ولم يع أنه أصبح وعيا أثريا، من ذلك مثلا التصوّر الذي بناه العقل الإسمنتي المسلّح عمّا يسمّى الطبيعة الإنسانيّة الثابتة وركونه إلى وسادة الكسل فيلتجئ إلى مقولة أو فكرة الطبيعة الإنسانية "ليفسر" ويبرر ويراوغ ويضلل السؤال / المطرقة على أصل الملكية والعنف والذاتية والدين والإجرام فتصبح مقولة الطبيعة الإنسانية بمثابة معقل جهل ينفث فيه الوعي الإسمنتي المسلّح إما جهله الصادق أو وعيه الإيديولوجي المتستر المراوغ. ومن هنا كان لابد للحس الإشكالي المطرقي أن يهشم المعتقدات الوثوقية المنغلقة إسمنتيا والتي تفجر بانغلاقها.
فمهمة الفلسفة النقدية تتمثل إذن في رسم مسافة بيننا وبين تلك الأحكام الحميمية فنكسر بذلك "زجاجة التقاليد" التي قبعنا ومازلنا نقبع في قاعها.
في محاولات تعرف الإنسان على ذاته، خلال ترحاله المعرفي والمفهومي، وفي إطار تحديد جوهره / جواهره باحثا متسائلا عما إذا كان كائنا ثابتا يعود بالكلية إلى الطبيعة أو كائنا متحولا يعود سلوكا واعتقادا وقيما إلى الثقافة والتاريخ، هذه الرغبة، رغبة المعرفة جعلت "القرد العاري" وفق تعريف ديزموند موريس ولزمن طويل يكدح معرفيا لرصد الثابت والمتحول إن في سلوكه أو في تعامله مع الطبيعة الطبيعيّة (مصطلح ادقار موران). يسعى "الحيوان الرامز" إلى إنتاج أطروحات ومذاهب فكريّة فلسفيّة واجتماعيّة مختلفة إلى حدّ التضارب والتدافع، ذلك أن الكوجيتو البشري، يقر أحيانا أن للإنسان طبيعة، وطبيعة حيوانية ثابتة، تتّسم بالشراسة والعنف والدمويّة، ومن هنا كان وجوب الإرغام والإحباط والإلزام عن طريق ما يسمى الثقافة بالمعنى الإنتروبولوجي للكلمة، ويعتقد أحيانا أن للإنسان طبيعة ولكن هذه الطبيعة تتسّم بالطيبة الأخلاقيّة والمسالمة والغيرية إلا أن الثقافة انزاحت به عن ملائكيته فأصبحت ضربا من العنف الذي يمارس العنف ضد العنف. في مقابل هاتين الأطروحتين نجد ثالثة تنفي أن يكون للإنسان طبيعة ثابتة أصلا وإنّما الإنسان، هذا الكائن الذي يعي الموت كتجربة لا يمكن الوشاية بها، هو نتاج عمله وتجاربه وكدحه التاريخي فهو أصلا نتاج لانجراحاته وهو بالتالي ليس مشروع آياتيّا سبحانيّا ربانيا بطبعه وليس هو كائن إبليسيّ شرس عدوانيّ ذئبي بطبعه.
وفي إطار بلورة هذه المسألة، مسألة ثباتيّة أو ديناميّة الطبيعة الإنسانيّة وفي إطار مساءلة الوعي الإسمنتي المسلّح، في إطار هذه الإشكالية المعقدة التي زاد البعد الإيديولوجي على إشكالها إشكالا. نناقش مسألة حميميّة لأنّها تمثل حقيقة واقعية وليست مجرد ترف فكري بالنسبة لكل من المرأة والرجل وهي مسألة الذكورة والأنوثة.
لقد تعودنا أن ننسب للرجل متوالية من الصفات والنعوت والفضائل التكريمية منها:
العقل
الشجاعة
الجرأة
الإقدام
الصدق
الفروسية
السيطرة على الأهواء
وكل مشتقات الفحولة الشهريارية / السندبادية وأن ننسب في المقابل إلى المرأة متوالية من النعوت "التشريفية".
الكذب
التقلب
المراوغة
الحدس
الانفعال
الرومنطقية
الشبق
الكبد
التلبيس
الميوعة
الحنان
وكل مشتقات هذه المتوالية من النعوت الشهرزادية. لقد بيّن رايلي أن هذه الصفات ليست طبيعية وهذا ما يفزع الوعي الإسمنتي المسلّح ذلك أن "المجتمعات المختلفة تعلم أشياء مختلفة".
فماذا يقصد رايلي بقوله "كلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى لقد تعلمناها من المهد"؟ فهل أن الذكورة والأنوثة مجرد لعبة؟ وما هي الأمثلة التي يمكن التوسّل بها للبرهنة على صحة هذه الأطروحة؟ وما يقصد تحديدا بقوله "فالرجال والنساء يولدون وليدهم إمكان الشدّة أو اللين والعدوانية أو السلبية "الذكورة" أو "الأنوثة" ولا مناص من تعليمهم أن يكونوا مثل هذا الجنس أو ذاك وهكذا فإنّ "المجتمعات المختلفة تعلم أشياء مختلفة"؟ ألا تدحض هذه الأطروحة تعميميات وعينا الإسمنتي المسلّح من ناحية، وتعميميات الخطاب الفرويدي المتسرعة، عندها نسبت عقدة أوديب للإنسانية جمعاء وهذا بالاستناد إلى تحايل خصائص كل المجتمعات الموسومة بالبدائية و"التوحش" و"اللاكتابية" مثل الأرابيش وتشامبولي ومندوقمور كما يمكن لنا أن نتساءل عن قيمة هذه المساهمة في بلورة إشكالية الطبيعة الإنسانية ضمن محور الطبيعة والثقافة؟
الذكر والأنثى ولعبة المهد
لقد نسبت آراؤنا المسبّقة ومعتقداتنا القديمة/ الجديدة الإسمنتيةّ المسلّحة نعوتا أبدية وتقييمات نهائية وذلك من خلال خلق مراتبيه وخانات محددة تسجن فيها الأشياء والانفعالات والسلوكات والكائنات الحية التي ننسب إليها أنماطا محددة من السلوك مرة واحدة وإلى الأبد كأن ننسب إلى الرجل، إضافة إلى الفحولة، الجنسية فحولة معرفيّة تزكيها قضيبيه متنكرة فتكون تبعا لذلك، الفلسفة والعلم والموضوعية وكل ضروب الحكمة إنما هي حكر على الرجل، نتيجة لإقدامه الفحولي المعرفي. ويكون ذلك أيضا، امتيازا أغدقت به الطبيعة حينما خلعت على الذكور "القرد العاري" هذه الامتيازات الطبيعية. وفي مقابل هذه المتوالية من النعوت التشريفية، الرجولية، القضيبية، تجد متوالية من النعوت التحقيرية التي تنسب إلى المرأة العجز المعرفي والدونية المعرفية، إضافة إلى الميوعة والانفعال والتذبذب والميل إلى السحر والشعوذة، يكون ذلك نتيجة ليد الطبيعة العادلة! إن ما تعودنا على اعتباره من المسائل "الواضحة والمتميزة" وفق اللغة الديكارتية، أي من المسائل التي تربو إلى النقد فلا يطالها شك، مسألة التفوق العرقي والتفوق الرجالي على النساء، وذلك كله نتيجة لتقليد موغل في القدم، عندما فجر الخطاب الأنتروبولوجي الثقافي الحديث والمعاصر معتقداتنا حول الطبيعي، هذه المعتقدات التي أنتجها، شيئا فشيئا، ذلك الذي لا يمكن إلا أن نسميه العقل المغلق أو الوعي الإسمنتي المسلّح. عندها عاش هذا "العقل " الجنائزية فما كان منه إلا أن صرخ ملوّحا "إن هي إلا علامة الساعة" ! فيعمد العقل المستقيل، محتميا بالمقدس، ليستر عورة "المدنّس" ومن هنا تحديدا، تفهم محاولات إقصاء ونفي ودمغ وبتر الخطاب الجديد المشكّك في المستندات الصريحة والضمنيّة التي أنبنى عليها العقل المغلق ذاته، فهذا الخطاب الآثم لابد أن يقصى من المدينة، كما دعا أفلاطون إلى طرد وتبكيت الخطاب المغاير، ونقصد الخطاب السفسطائي، كما أطرد الشعراء "باستثناء الذين آمنوا"، لأنّهم محل غواية، لذلك لم يبدع منهم تقريبا إلا من خرج، وأشرك، وأبدع، ولم يتبع فخرج عن وعي القطيع، وفجّر المغلق.
في هذا الإطار، إطار مراجعة ومساءلة موروثنا الثقافي، نتبيّن أن أكثر الأشياء حميمية وأكثر الصفات وأكثر السلوكات طبيعية لدينا إنما هي ليست كذلك أليس سلوك "الذكر" و"الأنثى"، وحب الملكية الفردية، أو الجماعية، إنما هي نتيجة "لعبة" تُتعلم قواعدها من المهد.
إن رايلي لا يشير إلى الخصائص التشريعية وإلى الخصائص المرفولوجية أو إلى البيوكميائية أو الفزيولوجية لدى كل من الذكر والأنثى فأنثنته كما ذكرنت الطبيعي لدى من يسمّى ويتسمّى بالذكر. ألم تقل – سيمون دي بوفوار "إنّ المرأة لا تولد امرأة ولكنها تصبح كذلك".
تماشيا مع الخطاب الديبوفواري، يمكن القول أن الرجل لا يولد رجلا ذكرا وإنما يصبح بالثقافة كذلك. التحديد الذي يعطيه رايلي لمفهوم الذكر والأنثى إنما هو بالأساس يعتمد المتواليات من النعوت التي تنسب إلى كل منهما، وفقا للثقافة: المهد، البيئة، الأسرة، السياسة، الثقافي هو الذي لطّف ما سمّي ويتسمّى الجنس اللطيف وهو الذي أوجد الخشونة لدى الجنس الخشن أما الطبيعة فلا يبدو أنها جنسوية، أي تُفَاضِلُ بين الجنسين.
وبعبارة أخرى فالطبيعة لم تنتصر للرجل ضد المرأة، ولكن الرجل، انطلاقا من وعيه الفحولي للعالم، هو الذي ذكرن الذكر وذكرن المعرفة وذكرن العلم وذكرن السياسة وذكرن الإبداع، وأنثن – في المقابل – الطبيعة وأنثن المرأة وأنثن العاطفة وأنثن القلب "كلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى لقد تعلمناها من المهد". وفي كلمة اللعب بمعناها البسيط هناك إشارة إلى التواضع وإلى الاصطلاح، حضور الرمز مكثف في اللعب، اللعب يستوجب قواعد والطبيعة لا تقدم قواعدها.
إن التشريط الثقافي، حسب لغة هيرسكوفيتس، هو الذي يمسرح الحياة بعد توزيع الأدوار، وفق معايير سلوكية صارمة حفاظا على مصالح المتحكمين في قواعد اللعبة وواضعي شروطها ومن يفعل ذلك غير الساسة؟ وكل من لا يلعب، لعبته، كل من لا يتقمص دوره "يفرد إفراد البعير المعبّد" فينسب إلى الشرك و"المروق" حينا، وإلى الهرطقة حينا لآخر وإلى الخيانة الوطنية حتى، لماذا؟ لأنه يحدث خلالا، شرخا، جرحا في سلم القيم وفي إطار الإسناد الأساس الذي يحتكم إليه المجتمع الذي ينظم وترصّ صفوفه وفق دواعي النجاعة الإيديولوجية.
هناك خوف يبديه المجتمع السلطوي من الشك ومراجعة ونقد ما يسمّى بالمقدّس اجتماعيا، لذا يمارس المجتمع الرقابة على الأدوار ليعرف ما إذا كانت الشخصيات تلعب لعبتها كأشدّ ما يكون اللعب وعلى أصدق ما يكون الصدق كما تنص عليها الأوامر والنواهي الأميرية السلطانية "كلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى لقد تعلمناها من المهد".
لكن يبدو أن لعبة المهد ليست متجانسة إذ تختلف من مهد إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، ومن طبقة إلى أخرى حتى وإن أكد الخطاب الخلدوني على أن المغلوب يتشبّه بالغالب. ألم يقل رايلي "إن المجتمعات المختلفة تعلم أشياء مختلفة" !؟ انطلاقا من هذا الأفق النظري ومن هذه الملاحظات يكون الذكر والصفات المنسوبة إليه، في فضاء ثقافي معيّن لا تنسحب بالضرورة على الذكر في مجتمع آخر إذ أن الصفات والأدوار والشخصيات يمكن أن تتبادل المواقع ذكوريا وأنوثيا باختلاف أنماط التشريطات الثقافية، من مجتمع إلى آخر، نتيجة لتناثرها في الزمان والمكان، وتناحرها إيديولوجيا في المجتمع الواحد، وتناحرها حتى كوكبيا "معموريّا".
إذا كان الطبيعي / الطبيعي يختلف عن الطبيعي / الثقافي فلا شك إذن أن وثوقية المحتكمين إلى نسبة صفات متعالية عن التاريخ لكل من الجنسين تتهافت أمام النماذج المختلفة للمجتمعات والنماذج المختلفة الذكورة والأنوثة، كما تجلب من خلال ممارسات المجتمعات والقبائل المعاصرة الموسومة "بالبدائية" و"الوحشية" و"البربرية" و"اللاكتابية"... سواء أصحت هذه الاعتبارات أو لم تصح فإن طرح مسألة الذكورة والأنوثة ثقافيا وليس تشريحيا بيولوجيا فيزيائيا يكتسي أهمية كبرى وهي تتمثل في مُساءلة موروثنا الثقافي والمطارحة مع مكبوتنا المعرفي في الأدب والشعر والفلسفة والفقه واللغة والدين ومن هنا، تحديدا، تتحدد أهمية هذه المساهمة على بساطتها.
الأهمية النظرية والعلمية
لطرح مشكلة الذكورة والأنوثة:
لإشكالية الطبيعة والثقافة، ولمساءلة طرح مسألة الذكورة والأنوثة أهمية نظرية وذلك من خلال الصراع المتواصل بين الأطروحات العلمية والمثالية التي من أخص خصائصها أنها تؤكّد على أن للإنسان جوهرا ثابتا وتقذف بما تسميه "ماهيته" فوق الشروط الاجتماعية والثقافية والتاريخية للتأنسن تعتبر الإنسان إنسانا حتى وإن عاش بمعزل عن الشروط الإنسانية للتأنس.
إن النظرة المثالية واهمة ووهمها يتمثل في سكوتها المقصود غن الشروط الاجتماعية والتاريخية والثقافية للتأنس وللعقل تحديدا فهي تعقل العقل وتلقي بعقاله خارج التاريخ فيصبح العقل وكأنّه جوهر ثابت قذف به بقدرة قادر فتكوّن مرة واحدة وإلى الأبد: الرجل رجل والمرأة امرأة: الإنسان محبّ، للملكية منذ كان ولا يزال وسيضل كذلك، فنعم الجواهر الثابتة ! النظرة المثالية تسكت عن أهمية كدح الدماغ البشري في منازلة الطبيعة ومكافحة شروط الانتفاء والإبقاء والعدمية.
بينما في المقابل، مقابل الأطروحات المثالية، نجد الأطروحات السوسيولوجية والأنتروبوثقافية تؤكد على البعد الإنساني للمشاريع الإنسانية ذلك أنّ الإنسان إنما هو نتاج لكدح دماغه وبنجاحاته وانكساراته.
تتسم مقولة الطبيعة الإنسانية بخطورة فريدة من نوعها إذ أن البشر، في مواقفهم المتباينة إلى حد التضارب والتدافع والتناحر وفي وضعهم الحربي، يصدرون صراحة أو ضمنا، شعوريا أو لا شعوريا، عن موقف وفهم محددين لمسألة الطبيعة الإنسانية، في هذا المجال يقول صاحب كتاب "المتلاعبون بالعقول": إن القاسم المشترك في كل تلك التصورات هو النظرة التي يتبناها الناس في الطبيعة الإنسانية وتؤثر ماهية الطبيعة الإنسانية كما يفهمها الناس، تؤثر في النهاية في الطريقة التي يتصرفون بها...". فالأهمية النظرية لمقولة الطبيعة الإنسانية الثابتة تستمد من تأثيرها الفعلي الممارساتي على مستوى تعاملنا مع الآخر سلوكيا، أو نظرتنا إلى أنفسنا.
فإذا انخرطنا في تبني مقولة ثبات الطبيعة الإنسانية فإننا سنؤمن بالضرورة بصحة وصلابة التفاسير الغريزية: الاحتكام إلى تفسير السلوك بالغريزة والجبلة، والفطرة: تصبح الملكية الفردية حقا مقدسا، ونسبة المرأة إلى الانفعال العاطفي ومشتقاته ليست في حاجة إلى البرهنة إذ أنها من المسائل التي تستقيم بذاتها.
فأهمية طرح مسألة الذكورة والأنوثة بإرجاعها إلى اختلاف الفضاءات الثقافية، واختلاف أنماط الإنتاج، وعلاقات الإنتاج المتباينة، تكمن في أنها تجعلنا نتساءل عن طبيعة تشريطنا الثقافي، فنفتح باب الاستفهام المعرفي عن طريق الأسئلة المطرقة ضد عقلنا الإسمنتي المسلّح.
إن سلوكنا الفردي أو الجماعي يكون نتيجة لما يمكن أن نسميه حسب لغة أنطونيو قرامشي"الفلسفة العفوية" أو "الضمنية" أو "التلقائية" التي توجد في أمثالنا وحكمنا الدارجة في المجتمع، كما توجد في مأثوراتنا الشعبية، مثل النصيحة الذهبية التي كانت تقدمها عادة الأمهات إلى بناتهن: "لا أمان مع الرجال والزمان". ومشتقات هذه اللازمة، كل هذه الأمثلة إنما تشير إلى أن أفراد المجتمع يسلكون حسب ما يسمى اللاشعور المعرفي: ذلك الذي من خلاله يقوم الفرد أو الجماعة بترتيب العلاقات بينهم وبين الطبيعة من ناحية، وبينهم وبين أنفسهم من ناحية أخرى. أليست الثقافة هي تلك المؤسسة المادية والرمزية التي من خلالها نشرّع العنف ونغالي في استعماله ونقتصد فيه؟... أليست الثقافة هي تلك الشبكة من الرموز التي من خلالها أيضا نحب ونكره، نفرح ونترح نرجو ونتمنى، تنتصر أو تنكسر، وندعو على الآخرين بأن تذهب ريحهم أو ندعو لهم بالعمران؟
ففي إطار الثقافة بالذات تتحدّد كل متواليات النعوت بين الذكر والأنثى وترتب العلاقة بين طبقات المجتمع وشرائحه وفئاته المختلفة، فما هي إذن الشواهد التي تفزع وعينا الإسمنتي المسلّح فتحمله على مراجعة الصفات الشهرزادية التي ينسبها إلى الأنثى وكذلك الصفات الشهريارية التي ينسبها إلى الذكر؟ ألم يعد الإنسان بعد الاكتشافات العلمية المختلفة، سواء كان ذكرا أم أنثى، واقعا تحت ما يمكن تسميته بالشهريار زادية؟
إذن كلنا شهريار وشهرزاد في نفس الآن، وكلنا يولد ولديه إمكان الشدة واللين، العدوانية أو المسالمة، الذكورة أو الأنوثة "يلعب هو دور الذكر وتلعب هي دور الأنثى إنها لعبة تعلمناها من المهد".يلعب هو دور الحاكم، ونلعب نحن دور المحكومين، يلعب هو دور الجلاد، ونلعب نحن دور المجلودين، أما آن لنا أن نتبادل المواقع؟ أسطورة بأسطورة؟ حتى وإن كان الأفق النظري الفلسفي الذي نصدر عنه لا يبحث عن تأييد الموقع: حاكم / محكوم، محكوم / حاكم لأننا نهدف إلى تفجير المكان بإعادة ترتيب العلاقة بين الأنا والنحن وبين النحن والطبيعة.
مع ذلك تبقى المشاريع النظرية تائهة في رومنطقية الرجاء والتمني إن لم يقع الاستيلاء، ليس فقط على المواقع النظرية، وإنّما السيطرة على أسباب الجمعنة التي تحتكرها السلطة السياسية بأجهزتها الإيديولوجية والقمعية المختلفة. لا يمكن إذن أن يفهم الثقافي أو المعرفي أو الفلسفي أو الديني بمعزل عن نوايا واستراتجيات السياسي الذي يتبع تلوينات مختلفة "وحيل" مختلفة للقب على المتوحش اجتماعيا، فهو لا يتحكم في المغلوب بالقوة، المادية، جيش، شرطة أو الأجهزة الإيديولوجية وأساليب الاتصال الجماهيرية إنما يسيطر على العقول عن طريق التلاعب بها في اتجاه توريطها في جنازة إيديولوجيا "فرحة الحياة" التي تورط "المواطن" / المتساكن عن طريق مخاطبة العين والمعدة لتعطيل العقل، فيسهل الانقياد ويحافظ المشرفون بذلك على ترتيب الأدوار، على مواقعهم.
إن إيديولوجيا الطبيعة الإنسانية الثابتة تعبّر عن ذاتها من خلال كل المشاريع التوتاليتارية الاستبدادية التي تتغذى عن طريق استتباب وعي القطيع لدى مخاطبيها من خلال شبكة الترميز الثقافي السلطوي، فالسياسي، في نهاية التحليل، هو الذي يُذكْرِنُ نفسه ويُفحْلنُها بينما يؤنْثِنُ الجميع رجالا ونساء !!
ولقد فجرت الأنتروبولوجيا السياسية قداسة الحاجة إلى الدولة كسلطة بتْنا لا نتساءل عن علة وجودها، ذلك أن وعينا اعتبرها من حصيل الحاصل وأن ضرورتها في البيّنات.ألا توجد مجتمعات بلا دولة وفق ما تشي به أبحاث بيار كلاستر في فصل بعنوان "مجتمع اللادولة". إن هذا الاستطراد ضروري ذلك أننا نهدف من خلاله إلى فتح باب الاستفهام فنمتحن تصوراتنا المسبقة التي مرت من حيز الشعور، وكادت تغيب في غياهب اللاشعور. وما مسألة طرح الذكورة والأنوثة إلا تعلة للانفتاح بالأسئلة / المطرقة على مواطن أخرى من الإشكاليات تفتح عليها بالضرورة.
فما هي إذن المجتمعات التي تقدم دحض / نفيا لمقولة الطبيعة الإنسانية الثابتة؟
الشواهـد التي تفـزع
الوعي الإسمنتي المسلّح
إن الأبحاث الأنتروبولجية، وخاصة الأنتروبولوجيا الثقافية، رغم تلبسها الشعوري أو اللاشعوري بنفس إيديولوجي استعماري، تقدم لنا شواهد دامغة عن تنوع طرق الجمعنة من مجتمع إنساني إلى آخر، وتنوع طرق التشريط الثقافي وآليات هذا التشريط.
مارغريت ميد، بأبحاثها التي قامت بها منذ الثلاثينات، وخاصة في كتابها "الجنس والطبائع في ثلاثة مجتمعات بدائية" والتي لم تفقد أهميتها، قد بينت اختلاف السلوكات باختلاف الفضاءات الثقافية. هذه الأبحاث الأنتروبولوجية مازالت مرجعا مهما للمفكرين من انتروبولوجيين، وفلاسفة وعلماء اجتماع من ذلك، مثلا، أنّ بتّي روزاك وتيودور روزاك قد استلهما من هذه الأعمال في كتابهما "ذكورة وأنوثة". فما هي المجتمعات اللاكتابية المعاصرة التي تقدم الدليل على خطل مقولة الطبيعة الإنسانية الثابتة؟
1)     مجتمع الارابيش (ARABISH)
2)     مجتمع المندوقمور (MUNDUGUMOR)
3)     مجتمع تشامبولي (TCHAMBULI)
فما هي خصائص كل منهما؟
أو مجتمع يطلق على نفسه اسم الارابيش، ومن الملفت للانتباه في هذا المجتمع القبلي أنه يعمد إلى التمييز، أي التمييز بين الذكر والأنثى ذلك أنه يعتبر أن الهدف الأساسي من الحياة إنما هو العمل سويّا بين الرجل والمرأة على تربية الأطفال وحتى اللسان الأرابيشي لا يميز، وفق ما تقولونه، بين الفعل الذي يعني "يحمل" طفلا بالنسبة للمرأة أو الرجل إذ ينسحب على الاثنين معا فالارابيش يعتقدون "أن الرجل يعاني آلام المخاض كالمرأة سواء بسواء وإذا كان الولد يُخلق من نطفة الرجل وعلقة المرأة فإن "نسمة الحياة" من أحد الوالدين.
وما أن يولد الطفل حتى يشارك الأب في جميع واجبات رعاية الوليد بل أنه ليضطجع بجوار زوجته ويضع رأسه على وسادة خشبية، حرصا على تسريحة شعره التي بذل وقتا طويلا فيها، ويقول عنه بنو عشيرته: إنّه في فراشه في "حالة وضع".
نتبيّن أن فكرة صلابة الرجل في هذا المجتمع لا تخطر على بال كل من الذكر والأنثى.
المراسيم الاحتفالية والاهتمام بما ننسبه نحن للمرأة، كالاشتغال بالتعطر المفرط و"التبرج"، لذا يمكن القول، وفق لغتنا، إن التنشئة الاجتماعية لدى الارابيش تؤنث الرجل فيكون، ربما أكثر أنوثة من نسائنا.
تقول مارغريت ميد: "بيد أن نساء الارابيش لا يجدن في أنفسهن ما يحملهن على أن يكون لهن شخصيات مغايرة، ذلك أن الرجال والنساء قد ثُقِّفوا على التعاون والمسالمة والاستجابة لاحتياجات الغير ولمطالبه. ولم نجد لديهم ما يدل على أن الجنس قوة دافعة بالنسبة للرجال أو النساء".
إذن، نلاحظ غياب العدوانية والطوق إلى المسالمة، غياب التمييز على مستوى اللغة بين الرجل والمرأة، الجنس ليس أداة قوّة غذ اتّسم هذا المجتمع بهذه الخصائص التي تجعل منه مجتمعا أبولونيّا، فإنّ المجتمع الثاني، وهو مجتمع المندوقمور سيكون شاهدا على نمط آخر من التشريطات الثقافية فما هي إذن خصائص هذا المجتمع؟
عن خصائص قبيلة المندوقمور، تقول مارغريت ميد: "وجدنا أفراد المندوقمور رجالا ونساء، ينشؤون على القسوة والعدوانية والإيجابية الجنسيّة، وتنطوي شخصياتهم على الحد الأدنى من جوانب الأمومة المحبّبة، ورجالهم ونساؤهم أدنى إلى نمط الشخصية الذي لا نجده في ثقافتنا إلا في شخصية الرجل الفوضوي الذي يتسم بالشراسة البالغة... فالمثل الأعلى عند قبيلة مندوقمور هو الرجل العدواني العنيف الذي يتزوج من المرأة العدوانية العنيفة".
هذا إذن ما تقوله ميد، مشخصة الفضاء العام الذي يتحرك فيه هذا المجتمع: شراسة / عدوانيّة / بطش / عنف وتعنيف، فهو يمثل نقيض مجتمع الارابيش، ولكنه يلتقي معه في قاسم مشترك واحد وهو غياب التمييز بين شخصيتي الرجل والمرأة. فالنموذج الذي يرسمه المندوقمور، إنما هو نموذج دينوزوسي وربما تنسحب النظرية الفرويدية على هذا المجتمع تحديدا ودون سواه فكيف ذلك؟ إذا ما ركز فرويد على مقولة عقدة أوديب كمقولة جوهرية في فهم بناء الحضارة /الثقافية بإرجاعها إلى العقل العنفي فإن العنف والقسر والردع والإكراه وفق العجم الفرويدي لا ينسحب على قبيلة الارابيش، ففرويد إذن يصدر عن موقف محدد لطبيعة الإنسانية ويمكن، في هذا المجال، تقديم رأيه بعجالة. ألم يقل فرويد في "مستقبل وهم": "... هل تتصورون جميع تلك النواهي وقد رفعت؟ في هذه الحال سيكون في وسعكم أن تستولوا على كل امرأة تروق لكم دون تردّد أو أن تقتلوا منافسكم أو كل من يقف في طريقكم، أو أن تختلسوا من الآخر ما شئتم من أملاكه دون أن تأخذوا موافقته ! ألا كم سيكون ذلك جميلا، وما أكثر الملذات التي ستقدمها لنا الحياة في هذه الحال لكن الصعوبة الأولى لا تلبث في الحقيقة أن تنكشف بسرعة. فلقريبي نفس ما لدي من رغائب ولن يعاملني بمراعاة أكبر من تلك التي سأعامله بها. وفي الواقع لو حطمت القيود التي تفرضها الحضارة فلن يمكن لغير إنسان واحد أن يتمتع بسعادة لا محدودة، هو الطاغية الدكتاتور الذي يكون قد احتكر جميع وسائل الردع والقسر..." (مستقبل وهم الفصل 3) نتبيّن من هذه القولة الطابع العنفي والتّناتوسيّ الذي يحرك الإنسان وفق حالة الطبيعة أنه مجرد "ذرة حيوية"، "طاقة لبيديّة" تتطلب الجمعنة إكراهها وإرغامها وقسرها. لاحظوا جيدا القاموس العنفي الذي يحتكم إليه فرويد وهو يتحدث عن "الطبيعة الإنسانية La Nature Humaine في حالة الطبيعة A l’état de nature الاغتصاب، العنف، البطش، يقود الإنسان في كل ذلك مبدأ اللذة.
فمجتمع المندوقمور الذي يبدو منسجما مع الطرح الفرويدي إلى حد ما، يمارس القهر والتعنيف والتبرم من تربية الأطفال (*) وهو ما تؤكده مارغريت ميد، لذلك يكون رجال المندوقمور أكلة لحم بشري وصيادي رؤوس، كما ينظرون إلى أطفالهم كمنافسين لهم في الجنس أو "كموضوع للإشباع" الجنسي.
أما القبيلة الثالثة، وهي تسمى تشامبولي، وقعنا على عكس المواقف السائدة في حضارتنا تجاه الجنس، فالمرأة هي الطرف السائد المتجرد من العاطفة وهي الآمرة الناهية، أما الرجل فهو الأقل إحساسا بالمسؤولية، الذي يعتمد على غيره من الناحية العاطفية".
فهذا المجتمع إنما هو نموذج آخر من النماذج البشرية يتسم رجاله بأنثوية مفرطة ذلك أن المرأة هي التي تمثل الطرف السائد في كل الأعمال إذ تكوّن ثروة القبيلة وتتعهد الرجل وتطلبه للجنس: "إن الأملاك الحقيقية، التي يقتنيها الرجل بالفعل، تأتيه من المرأة في مقابل نظرات حالمة وكلمات رقيقة... أما موقف النساء تجاه الرجل فيتسم بالتسامح والتقدير. إنّهن يستمتعن بالألعاب التي يلعبها الرجال، كما يستمتعن بصفة خاصة بالحركات المسرحية التي يقوم بها الرجال من أجلهن".
فالسويّ إذن يختلف من حقل ثقافي إلى آخر، فسويّنا نحن، والطبيعي بالنسبة لنا، إنما هو "طبيعيّ" وفقا لما أملاه علينا تشريطنا الثقافي، فالمرأة وفق تصور مجتمع تشامبولي، التي لا تتخذ خليلا بعد موت زوجها، تعتبر غير "سوية" غير "طبيعية" غير "عادية" ومبالغة في تعففها إذ "يتساءلون: هل النساء مخلوقات سلبية باردة جنسيا يتوقع منهن أن يصبرن على دلال الرجال وتلكئهم، والجواب الضمنيّ في قبيلة تشامبولي هو: كلا إذا كنّ سويّات".


بمثابة خاتمة:
ماذا يمكن أن نستنتج من كل ما تقدم في ما يتعلق بالثقافة وبالشخصية وبالتشريط الثقافي؟ يمكن أن نستنتج:
‌أ-   أن مقولة الطبيعة الإنسانية الثابتة ليس هناك ما يدعمها ان على مستوى الواقع / الوقائع التاريخية أو على المستوى النظري. لقد استبدلت الأنتروبولوجيا الثقافية والأنتروبولوجيا السياسية نظرية الطبيعة الإنسانية الثابتة بنظرية الطبائع ذلك أن المجتمعات متناثرة ومتغيرة ومتباينة في نظرتها إلى الإنسان وإلى الطبيعة وإلى الكون وحتى في نظرتها إلى الأعداد، من ذلك، مثلا، تبرّم إحدى القبائل الموسومة "بالبدائية" من العدد واحد وذلك ما بينه بيير كلاستر في الفصل الأخير من كتابه "مجتمع اللادولة" (**).
‌ب-  الثقافة، مهما كانت بساطتها، تقوم بترتيب العلاقة بين الفرد والمجتمع وتسلك في ذلك طرق شتّى لضمان البقاء أولا، ولتوفير حسن البقاء ثانيا.
‌ج-    المجتمعات المختلفة تعلّم أشياء مختلفة.
‌د-          أكثر الأشياء حميمية لدينا مثل الذكورة والأنوثة تعود في نهاية التحليل إلى الثقافة وليس إلى الغريزة / الطبيعية. هي الأخرى، إنّما هي نتيجة تراكم تاريخي وليست مسألة غريزية. ألم تؤكد الأبحاث الأنتروبولوجية المعاصرة أن هنود الوانتو، كما بينت ذلك دوروتي لي لا يملكون على مستوى اللغة الضمير المتكلم "أنا". كما أن القصص التي يروونها غالبا ما يختلط فيها الشعور الذاتي والتاريخ الخاص بالتاريخ الجماعي، فالفرد ليس ملك نفسه وإنما ملكا لعشيرته، إضافة إلى ذلك إن الملكية الفردية فكرة لا تخطر ببال الوانتو، وإن كان هذا الاكتشاف الأنتروبولوجي لا ينسحب على كل القبائل البدائية إلا أنه يشي بتعدد النماذج الإنسانية وفقا لأنماط الإنتاج التي أوجدوها لأنفسهم "إنّ الحياة القبلية عانة وليست خاصة، وكل أوجه النشاط في القرية عامة وشعائرية، فالصيد والعيد والزواج والحرب كلها تتم بصورة مشتركة، وترك الفرد لذاته ترف لا تملكه شعوب القبيلة. ومن ثمّة فلم يحلم أحد منهم بهذا وحتى المساكن هي في العادة عامة. فالشخص الذي يريد أن يكون وحده قد يجلس في مواجهة الجدار، وهذا هو مدى الخصوصية المتاحة".
فلظهور الإحساس بالأنا، والذات، والشخصي والحميمي، يستلزم تفجير نمط الإنتاج الذي أوجدته المجتمعات الموسومة بالبدائية والتحول من حياة القرية إلى حياة المدينة (راجع الفصل السادس من كتاب الغرب والعالم).
إذا كانت أكثر الأشياء حميمية تعود إلى الثقافة وإلى التشريط الثقافي وإلى التاريخ فإنه يتوجب علينا مساءلة لا شعورنا المعرفي عن طبيعة ثقافتنا ما إذا كانت ثقافة تسمح بالشرك بالرأي الواحد، والسلطة الواحدة، والمركز الواحد، أم أنها لا تقبل الشريك، أي لا تقبل بالّلا الحاملة لعلامات الرفض والاستبداد وللعقل المغلق.
فإذا شاهدنا العنف يلفّ علاقتنا الاجتماعية فمن حقنا التساؤل عن طبيعة العلاقة التي تتمفصل من خلالها "الأنا" بـ"النحن" الاجتماعيين، إن الوضع العنفي لا يمكن أن يفرز، إن آجلا أو عاجلا، إلا تناتوسا / موتا معمّما، ويبدو أن العلاقة اللاسوية بين الذكر والأنثى في المجتمع الثالثي علامة من علامات طبيعة "الثقافة السلطوية" المبنية على الامتثال، والترويض، والتدجين، والدمغ، لكل ما مغاير.
الهوامـش:
(**) "يلعب هو دور الذكر، تلعب هي دور الأنثى، وهو يلعب دور الذكر لأنها تلعب دور الأنثى،  وهي تلعب دور الأنثى لأنه يلعب دور الذكر. وهو يقوم بدور ذلك النوع من الرجل الذي تعتقد هي أن نوع المرأة، الذي تقوم بلعب دوره، لابد أن تعجب به، وهي تقوم بدور ذلك النوع من المرأة، الذي يعتقد هو الرجل الذي يقوم بلعب دوره. لابد أن يرغب فيه، ولو لم يكن يلعب دور الذكر لكان على الأرجح أشدّ منها أنوثة – اللهم إلا في الحالات التي تكون فيها مسرفة في لعبة الأنوثة. ولو لم تكن تلعب دور الأنوثة لكانت على الأرجح أشدّ منها ذكورة – اللهم إلا في الحالات التي تكون فيها مسرفة في لعبة الذكورة. وهكذا يزداد لعبه شدّة، ويزداد لعبها نعومة...".
Betty Rozak and Théodor Rozak, Masculine/Féminine (New York Harper and Row 1969).
-   The west and the world, Atopical history of civilization by: Kevin Reilly 2 vols, Harper and Row 1980.
-     ترجمة د. عبد الوهاب محمد المسيري ود. هدى عبد السميع حجازي – الكويت 1985.
-   The mind managers – by Harbert Schiller, Bracon Press, Boston 1974.
-     المتلاعبون بالعقول ترجمة عبد السلام رضوان – الكويت أكتوبر 1986.
-   المجتمع والعنف: تأليف فريق من الاختصاصيين، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط ثانية 1985 – الفصل الثالث: جذور العنف، الحيوية النفسية والنفسية الاجتماعية، - ميشال كورناتون.
-     مستقبل وهم – سيغموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار المعارف بيروت لبنان 1980.
(*) تقول ميد "إنّ نساء المندوقمور يُرضعن وقوفا إذ يُمسك الطفل بيد وفي وضع يُثقل يد الأم ويُمنع الرضيع من تحريك يديه. ولا يحدث لهن، كما لأخواتهنّ النساء الأرابيش أن يمارسن عملية الرضاعة بهدوء وحب ولذّة. فلن يتسنى للطفل أن يطيل وجبة وجبته وهو يداعب جسده أو ثديي أمه وكل ما ينبغي له أن يفعله هو امتصاص كميّة من الغذاء كفيلة بانتزاع مواقفه، دونما بكاء، على إعادته إلى سلّته. فما أن يتوقّف لحظة عن الرضاعة حتى يعاد فورا إلى سجنه، لذا يبدو الرضّع على جانب من القتالية والعناء فلا يفلتون الحلمة بل يرضعون بكل ما يملكون من سرعة وقوة وغالبا ما تضيق أنفاسهم لسرعة ازدرادهم فتفقد الأم صبرها ويعلو صياح الطفل. وبدل أن تكون الرّضاعة عملا مغمورا بالحنان واللطف تُصبح وضعا يتميّز بالغضب والصراع...".
Sex and temperament in three primitive societies by Margaret, Mead, New York : Dell, 1950,1963



"حين تخْذلك الرّوح ولا تَـهبك جناح النّور، يكون السّقوط مُدوّيا وأليما " ·


لقاء مع  السيد الشّاعِر والروائي  التونسي الحُر  لُطفي اُلْشابي
"حين تخْذلك الرّوح ولا تَـهبك جناح النّور، يكون السّقوط مُدوّيا وأليما "
·     




لقائي بهذا الكائن الحبري التونسي  الوسيم نصّا وشخْصا كان صدفة , من أمتع الصدف التي منحتني ذات يوم  من ذات سنة في الوطن  بعض الأمل في " الجيل "  النبيل العامل  رغم التّعب  وقلّة اليد والتجاهل العفويّ والمتَقَصّدِ... العامل كدحا من أجل العلم والمعرفة  والجمال والحرية قيمة القيم ...  في أفق حضاري أخَذ يُشيد "بالجهل" ... و " الأنانية الفاحشة " ومعاداة الكتابة و الكِتاب   والإختلاف وحقّ الاختلاف الخلاّق . كنت قرأت رواية له عنوانها " المائت " وأقد أخذتني " تيمتها " ولغتها والأداء السّردي  الذي توخّته الذات الكاتبة  وهي   تتــهجّى ذاكرة مَسراتها وأوْجاعها منذ فاتحتها السردية :

       " المتعبون المسكونون بالحنين إلى منابع الصّفاء المفقودة لا يهتدون بسهولة إلى حرير المنام. وأنا  رجل مُتعب منذ زمن. فقدتُ ينابيع صفائي. جفّ مورد النّور في الأعماق منذ  فقدتُ نجمتي الهادية وانفصلتُ عن غيمتي فسكنتني الكوابيس وامتلأت بالأصوات النّاعية لا تكفّ عن نهش ضفاف منامي وقرض ما كان لي من ثبات
" أنتَ رجل مائتُ "
هذا هو الصّوت الوحيد الذّي كان يتردّد في أعماقي وأنا أجرّ جُثّتي إلى تلك الدّار المزروعة في أعلى الطّريق. معزولة عن المدينة ومتفرّدة لا شيء يجاورها غير صنوبرة قديمة تظلّل جزءا كبيرا منها كلّما ركبت الشّمس أوّل المنحدر إلى مهواها. كنت أزحف نحوها وألهث. وكان للهاثي فحيح حاولت عبثا أن أكتمه أو أسكتَ نُواحه. وكنت أعاند وأرفض أن أرضخ لمشيئته التّي تملي عليّ التوقّف كلّ بضعة أمتار أقطعها. "
 لقد أحببت النّص وأحببتُ كاتبه  فأردت أن نُصْغي اليه سويا ...لقد تدرّبت معه على " الإصغاء ".في حله وترحاله السردي .وهو يـُجيب  على اسئلتي " غير البريئة " وهواجسي الليلية في شأن الكتابة والخيال والذاكرة الحَليبيّة  والطّفولية  وما تلاها .

  كيف للسيد  الشاعر لطفي الشّابي أن يرسم  سيرتة ومسيرة لمن لا يعرفة  ؟
ـ ولدت في مدينة "قصر هلال "في وقت موسوم بوميض نهضة وطن تعاقبت عليه منذ عصور غيوم وعواصف وأعاصير كان يخرج منها دائما معافى.. درست في مدرسة" أحمد عيّاد" الابتدائيّة ثم "بالمعهد الثانوي 2 مارس 1934 ". حصلت على بكالوريا الآداب في سنة الانقلاب الكبير الذي حوّل البلاد من حال الأسر في قبضة الوارث العجوز وعقله المتهالك على كلّ أسباب العظمة المكذوبة إلى حال الرّهينة في سجن الجنرال المريض بكلّ بهرج زائف.. درست اللغة والآداب والحضارة العربيّة في "دار المعلّمين العليا بسوسة" وتخرّجت منها بشهادة تتيح لي الارتزاق من مهنة / محنة أحببتها صغيرا ووهبتها منذ ربع قرن، وما زلت، جلّ جهدي وأغلب طاقتي فمنحتني ثروة طائلة من المحبّات والوفاء الجميل، وذلك حسبي منها. أنجبت إلى حدّ الآن ستّة أبناء، ولدين
( ياسر ومازن ) رسمت لهما أجنحة ولم أدلّهما على القبلة ولم أحذّرهما من العواصف، ولكنّي أراقب طيرانهما بنشوة وأنتظر تحليقهما أبعد ممّا أطلب لهما، وأربعة أبناء حبريين ( والتّسمية الجميلة لك ): روايتيْن ومجموعتين شعريّتين. أعيش بين "مدينة نابل" حيث أقيم وأتنفّس، وبين المهديّة ( مرورا بقصر هلال ) حين أرتاح من تعب العمل والكتابة والأنشطة الثقافيّة التي أمارسها في إطار جمعيّتين كنت من مؤسّسيهما منذ دخلت نابل سنة 1991.
ـ كيف أتيت إلى الكتابة؟
ـ صُدفةً... أتيت إلى الكتابة من حيث لم أشعر. حياتي كلّها تقريبا كانت محكومة بالمصادفات التي أهدتني ما أنا عليه الآن ولم أذكر يوما أنّي كنت أخطّط لحياتي أو أسطّر لها مسلكا.  كنت في فترة مراهقتي مهووسا بممارسة كرة القدم وبالمطالعة معا.  بدأت أستعذب ما كانت تجود به عليّ كرة القدم من لذائذ ومغانم: بعض الحظوة وقليل من المال كان كثيرا وقتها، وكنت أحلم بمسيرة رياضيّة ناجحة كادت تحملني على الانقطاع عن الدّراسة لولا إصابة خطيرة كسرت ذلك الحلم الذي كان معلّقا بقدميّ ووجّهتني إلى الطّريق الأطول والأقلّ إبهارا..( أبتسم حين أرى نفس الحلم يسكن ابني المراهق الآن ). الصّدفة قادتني أيضا إلى دار المعلّمين العليا. لم أكن أتصوّر يوما أنّي سأصدر كتابا، رغم أنّي كنت أخالط الشعراء والأدباء وأحضر الأمسيات الشعريّة والنّدوات... كنت أكتفي بمتعة القراءة والاستماع، وأجد كفايتي  في القراءة والتّدريس. غير أنّ الصّديق الشاعر آدم فتحي أغراني بالنّشر حين اطّلع على نصّ قصير كتبته سنة 2009 في مائويّة الشّابي. كان نصّا من ثلاثين صفحة بعنوان " عودة روح " وحين قرأه طلب منّي أن أشتغل عليه وأجعله رواية. هكذا وُلدت روايتي الأولى " ما لم يقله الشّاعر " وهكذا وَلدْتْ هي أشقّاء لها بلغ عددهم الآن ثلاثة: مجموعين شعريين ورواية ثانية.
ـ كلّ ذاكرة حبريّة، سرديّة كانت أم نثريّة، هي ذاكرة حكائيّة. فما هي أهمّ الحكايا الطفوليّة التي تشرّبتها ذاكرتك؟
ـ  كثيرة هي الحكايات التي تسكنني منذ طفولتي وتستيقظ في أعماقي كلّهما هممتُ بالكتابة أو عبرت نصّا من النّصوص السرديّة أو الشعريّة.. ولكنّ مشهدين ظلاّ عالقين أكثر منها كلّها بذاكرتي رغم أنّهما غائمان وبعيدان في الزّمان وفي المكان: الأوّل حدث وأنا لم أتجاوز الرّابعة أو الخامسة من عمري، ضيّعت في يوم السّوق الأسبوعيّة طريق العودة إلى بيتنا الذي لا يبعد كثيرا عن وسط المدينة، قادني أحدهم إلى مركز الشّرطة، وهناك أصبت برعب أكبر، ولا أدري السبب. كانت هناك امرأة تجلس على كرسيّ في أحد المكاتب وتبتسم لي وتحاول إسكاتي بما في قفّتها من حلوى ومن فاكهة، ولكنّي لم أكن أستجيب لإغرائها. كان صوت البوليس الذي لم يكفّ عن الصّياح والشتم مرعبا ووجهه مخيفا، ولم أكفّ عن البكاء حتّى جاء أبي وانتشلني من بكائي وشعوري بالتيه وبالرّعب آنذاك، ولكنّه لم يُفلح في أن يجتثّ بذرة ظلّت تنمو في أعماقي وتكبر: النّفور من البوليس. تطوّر ذلك الشّعور لاحقا في أحداث آخر السبعينات وأوّل الثمانينات فأصبح كراهيّة وعداوة عبّرت عنهما المواجهات العنيفة التي شهدتها مدينة قصر هلال.
 المشهد الثاني كان في بداية السبعينات، شهدتُ أمطارا طوفانيّة اقتحمت الكثير من البيوت وهدمتها.. وكان بيتنا الواقع على مشارف غابات زيتون  من بين البيوت التي اكتسحها الماء. لا أنسى صورة والدتي التي كانت تبكي عجزا عن ردّ السّيل الذي اخترق الجدار القبليّ وهي تركض في كلّ اتّجاه وتحاول سدّ الثّقوب بالخرق والرّمل وبكلّ ما تقع عليه يداها... كنت وإخوتي الصغار نقف على الدّكانة في البيت القبليّة ونراقب ركضها من جهة إلى جهة في الفناء، ولم أكن أسمع غير نشيجها الذي كان يصلني واضحا من بين إيقاع المطر العنيف وهدير السّيول. تلك الملامح المتفجّعة وذلك النّشيج المفجوع لم يغادرا أعماقي أبدا... وأظنّ أنّ تلك الصّورة هي التي ارتسمت في مخيّلتي وأنا أودّعها وهي ترحل إلى هناك خفيفة متخفّفة من كلّ أسباب الفجائع وما يرتدّ للكائن الحيّ منها من مرارة الشعور بالعجز وبالقهر. 
ـ غالبا ما يمثّل المعلّم أو الجدّ أو الأب أو الأمّ أو الجدّة أو شخصيّة شوارعيّة نموذجيّة مرجعا استلهاميّا للكتابة، خاصّة السّرديّة منها، فهل حوّلت شخصا ما إلى شخصيّة روائيّة؟
ـ كلّ عمل روائيّ يستلهم من الواقع وقائعه ويبني أحداثه وشخوصه... الرواية فعل تركيب ونحت وتفكيك ولصق. والرّوائيّ البارع هو الذي ينجح في إعادة تشكيل التاريخ: تاريخ المكان والشّخوص، وتركيبها على نحو طريف مغر. في كلّ روايتي حضور لرجال ونساء أثّروا في تكويني ووجّهوني من حيث قصدوا أو لم يقصدوا. منهم ثلاثة معلّمين أهديهم كلّ ما أكتب لأنّي على وعي تامّ بأنّهم يملون عليّ، رغم غيبتهم، ما أكتب.. امرأتان: والدتي فاطمة وجدّتي لأبي صحرة ( كان يحيّرني اسمها منذ طفولتي المبكّرة ويغريني بصحبتها رغم صرامتها ) ورجل: خالي علي نباوي، علّمني وهو يسرد عليّ تجاربه النّضاليّة الطويلة معنى الالتزام والحريّة والإيثار والشّجاعة... هو من كان يحثّني على القراءة كثيرا والكتابة قليلا.. وهو الذي وجّه خطواتي في سنوات مراهقتي، فكنتُ أجهد أن أكون كما كان يريد لي. سيكون له حضور بارز في روايتي الجديدة التي أرجو أن أفرغ منها قريبا، لأنّها أنهكتني.
ـ التّيمة العامّة لروايتك " المائت " هي محاورة الذّاكرة، والذّاكرة المركّبة بانغراسها في المكان، الذّاكرة الحليبيّة والعاطفيّة باستحضار مكثّف للخيبات والأوجاع. فهل للسيّد الرّوائيّ الشّاعر أن يساررني عن تلمّساته اللّيليّة ومخاوفه من انفلات الشّخوص وتمرّدها عليه؟
ـ أحبّ أن أعكس مسار سؤالك فأقول: أشعر في أحيان كثيرة أنّي شخص روائيّ وأنّي أرجو من شخوص روايتي أن تحميني من كلّ انفلات ممكن وأن تكبح قابليّتي الفطريّة للتمرّد. حين أكتب أحرص على كتابة الواقع كما أراه بعين الرّوائيّ المحكوم بواجب الرّواية الأشدّ نُبلا: صيانة الذّاكرة الجمعيّة ومقاومة النّسيان. ولكنّ ذاكرتي الشّخصيّة تحضر بقوّة وتصرّ على اكتساح عوالمي التي أبنيها بوعي وتزرع في أرجائها المشاهد اللاّواعية والوقائع الرّاسخة في أعماقي كما الوشم. في روايتي " المَائت"، مثلا، حاولت أن أوظّف ذكرى المكان لخدمة المعنى القائم على الخيبة الجمعيّة والأوجاع الواسعة لجيل كامل.. وتمكّنت من رسم ملامح مكان لم أعش فيه أبدا هو "زغوان "على نحو محايد ووظيفيّ، ولكنّي وقعت في الوجع الشّخصيّ المَرير حين رسمْت ملامح الطفل ثمّ المراهق الذي عاش في "قصر هلال". كان ذلك من أكثر المَخاوف التي أواجهها حين أكتب، أخشى من أن تفيض الذّاكرة بأوجاع شخصيّة تسيء إلى من رافقوا طفولتي وقد كانوا أهْلا وأحبّة، دون أن تُريح من يتذكّر ويدوّن. لا أخشى انفلات الشّخوص وتمرّدها عليّ، ولعلّ ذلك من صميم العمل الرّوائيّ لحظة إنجازه، بل أخشى أن أتماهي معها في الواقع فتسرقني منه وتسلبني ما به أكون مطمئنّا حين أنزعها غبّ الفراغ من معاشرتها. 
ـ أيّ علاقة بين أوّل نصّيك الرّوائيّين " ما لم يقله الشّاعر " و " المائت "؟ هل أراد الرّوائيّ الحكّاء أن يستنطق، مثلا، ما سكت عنه الشّاعر من مسرّات وأوجاع؟
ـ قد نجد بينهما أكثر من وشيجة متينة حين نتدبّر متنهما بعين الباحث المدقّق، فروايتي الأولى، وإن جاءت احتفاء بالشّاعر الشابي في مائويّته، حاولت من خلالها أن أرصد التحوّلات التي طرأت على المجتمع التونسيّ، وعلى وجه الخصوص على نخبته الأدبيّة، ومنها خيانة روح الالتزام في الشّعر وفي الفنّ، بسبب هيمنة السّياسي واستفحال الهاجس المادّي الذي لا يوازيه إلاّ انحدار في القيم وتخلّ عن المبادئ الكبرى... وكذلك كانت رواية المائت، التي رغم صدورها سنة 2013 إلاّ أنّها ظلّت وفيّة لزمن كتابتها ( صيف 2010 ) وما كان يعيشه المجتمع التونسيّ آنذاك، بالتّركيز على نخبته المثقّفة أيضا، من تدهور قيميّ لا يمكن تفسيره إلاّ باكتساح الاستبداد كلّ مجالات الحياة ومستوياتها على نحو فظيع لم يكن يدفع إلاّ إلى أحد مسارين: الموت انتحارا واعيا أو الثّورة انفجارا غريزيّا سادرا. الحكاية هي أنسب من الشّعر في مثل هذه المقامات وأنجع، لأنّها تملك كلّ أدوات التّصوير الممكنة وتتيح كلّ أشكال الفضح والتّعرية التي لا يتيحها الشّعر، ربّما، على النّحو الأكثر وضوحا ومباشرة ومضاء. ما قاله الشّعراء ، منذ البدء شعرا، والشابي أحد أكثر الأوفياء لروح السّلالة، يقوله الرّوائيّون على نحو أكثر وضوحا وقابليّة للتوغّل في التّفاصيل البسيطة في ظاهرها والعميقة في مدلولاتها.
ـ إذا كانت الرّواية حقّا هي اسفنج الأجناس الأدبيّة، فهل سمحت لك مساحاتها السّرديّة بقول ما أردت قوله؟
ـ نعم، ولكن بتفاوت. روايتي الثانية كانت أبلغ. لقد اشتغلت عليها بما يكفي حتّى تكون كما أحببت لها أن تكون: تصويرا بليغا لحال الفراغ التّي كانت تمرّ بها البلاد بعد حال الصّخب المكتوم الذي عاشته منطقة الحوض المنجميّ، وبعد الصّمت البذيء الذي انحدرت إليه النّخب ( وأستثني منهم عددا قليلا كان يشقى بما اختار).. كان لا بدّ من رواية كـ" المائت " لكي تبقى الذّاكرة حيّة ودليلا تقود إلى المعنى وتمنع من السّقوط  في المتعاود من دورة التّاريخ المحكمة الإنغلاق.
ـ أحيانا يرسم الكاتب دون وعي منه قدره الشّخصيّ في نصّ. فهل حدث لك أن عشتَ لاحقا ما كنت قد كتبتَه سابقا؟
ـ لقد كتبت في روايتي " ما لم يقله الشّاعر " أنّ الإنسان يكتب حياته في الخيال ثمّ يعيشها في الحقيقة. هكذا أرى الحياةَ. والكاتب في نظري أيضا لا يكتب إلاّ من وحي حياة عاشها ووقائع رسخت آثارها في أعماقه وطبعت شخصيّته ووجهت ذائقته وطبائعه واختياراته... أمّا أن أكتب قدري الشّخصيّ في نصّ، فهذا ما يرعبني فعلا. مصائر شخوصيّ كلّها فاجعة أو موجعة، ومن يدري، قد أكون في حال الكتابة بصدد رسم ملامح حياة تنتظرني، أو صدى حياة عبرتني.. كتبت غربة المثقّف وعزلته ورعبَه في ظلّ نظام استبداديّ موروث قديم، وحين انتصب النّظام الذي يزعمون أنّه ديمقراطيّ صرت أشدّ خوفا وأكثر شعورا بالغربة والعزلة. أصبحت على مثل اليقين من أنّ من يتصدّى لتجربة الكتابة عليه أوّلا أن يقبل بالضّريبة الباهظة التي يجب أن يدفعها من حياته ومن دمه وطمأنينته وأن يسلك الدّرب إليه وهو يعرف أنّ آخره، مثل أوّله، وجع.
ـ يبدو لي أنّ الأشعار التي تستند إلى نفَس سرديّ روائيّ هي أكثر الأشعار مقبوليّة الآن، وإن كانت الأشعار الشّذريّة المصاغة على طريقة البلاغات الإشهاريّة أكثر شهرة من المطوّلات. فأيّ الصّيغ الإشهاريّة أقرب إليك؟
ـ لا أميل كثيرا إلى المطوّلات.. ولكنّ ( يا للمفارقة ) أغلب نصوصي الشّعريّة طويلة.. أفضّل عند قراءة الشّعر النّصوص القصيرة وأرتاح إلى النّفس السّرديّ الذي يتخلّل الشّعر، ولكنّني أحيانا أشعر أنّي لا أختار حجم القصيدة، وأسترسل في تقفّي أثر الحكاية فيها حتّى تعلن عن وقفتها الواجبة. نحن نعيش زمن السّرعة في كلّ شيء، والصّورة هي أنسب الصّيغ الكتابيّة لذائقة هذا الوقت، ولكنّ الشّاعر لا يجب أن يخضع دائما للذائقة المهيمنة، بل عليه أحيانا أن يكتب ما يراه مناسبا سواء تعلّق الأمر بالاختيار الجماليّ أو بالطّرح المضمونيّ . من يكتب عليه أن يعي أنّه يكتب لذائقة أخرى غير التي تقرأ له في زمن الكتابة، لذلك عليه أن يثق بحدسه ويصدّق مع تقول أعماقه.
ـ تتكرّر تيمات " الغربة " و" الحبّ المفجوع والموجوع " و"اليُتم " و" الخيبة في الصّداقات وفي المحبّات " و "خرابات الصّيدليّات العاطفيّة "... ألاحظ ما يُشبه المفارقة العجيبة لديك: أنت كائن هادئ بملامح صوفيّة وبوذيّة، في حين أنّك انفجاريّ على مستوى الكتابة، إذ لا أكاد أصدّق أحيانا أنّ الشّخص الذي أحاور هو نفسه من كتب " المائت " مثلا .
ـ يختزل هذا السّؤال حقيقة ما أعيش وأكابد فعلا، ويعرّي أعماقي القصيّة التي أحرص على إخفائها حتّى عن نفسي. حين أخلو إلى نفسي وأحاور أعماقي أنتبه إلى هذه المفارقة وأحتار في طرفيها كيف اجتمعا في ذات واحدة. أبدو هادئا كما تقول، وأظهر في إهاب الصّوفيّ وطمأنينة البوذيّ، نعم، ذلك ما يراه الأصدقاء البعيدون، أمّا القريبون ( وأعني القرّاء والأشقّاء الحبريين ومن فتحت لهم حديقتي السريّة فجالوا في أرجائها ) فيدركون جيّدا أنّي أنهل من كلّ الأوجاع التي عرفت وأستلهم كلّ الموروث المعاش والمكتوب من الفجائع البشريّة ولا معنى للحدود بين تاريخ الأفراد وتاريخ الأمم والجماعات حين يتعلّق الأمر بمحاورة الكائن البشريّ ورسم تركيبته الثّابتة. الغربة قدر ذي العقل والضّمير الحيّ، لأنّ الحياة لا تصفو كما يقول المتنبّي، إلاّ لجاهل أو غافل عمّا مضى فيها وما يُتوقّع منها، أمّا الحبّ المفجوع والموجوع واليُتم في كلّ معانيه وأبعاده، والخيبة وامتناع الشّفاء، فتلك مسألة على أطبّاء علم النفس السريريّ أن يخضعوا موضوعها إلى مشارطهم لعلّهم يكشفون أسبابها ويغوصون في أعماقها فأرتاح حين أعي ما وراء الظّاهرة السّلوكيّة التي أكابدها، ولو أنّي ألفتها وأحببتها لأنّها تمنحني مناهل للكتابة.
ـ كيف استطعت أن تجمع بين السّكينة السّلوكيّة مع الآخرين والنّزعة البركانيّة مع القرّاء؟
ـ أظنّ أن ذلك يعود إلى طبعي الذي أدين له بالسّلام مع الآخرين ( إلى حدّ ما ) لأنّي لست كائنا صداميّا في نطاق العلاقات الاجتماعيّة، ولأنّي، خاصّة، زهدت في الغنيمة فارتاح الآخرون وسالموني. أمّا عن النّزعة البركانيّة مع القرّاء فلعلّها تدين أيضا لذلك الطّبع الذي ينحو إلى التأمّل والتقاط كلّ ما يجري في الواقع بعين الرّوائيّ اليقظى. أنا ممّن يخزّنون الشحنات الخلافيّة والمعارك والخصومات ويحاورونها في أعماقهم، ويستلهمون من تلك المعارك المكتومة أو الحوارات المكبوتة تلك البراكين التي تنفجر في النصّ. العداوات التي أجنيها من الكتابة تعادل الصّداقات التي أحصل عليها في الواقع، وفي كلتا الحالين أشعر بالرّضا وأستعذب الغبطة النّاجمة عنهما.
ـ هل تخاف حين تكتب؟
ـ كلَّ الخوف.. أصاب برعب مواجهة الأوراق البيضاء منذ بارقة مشروع النصّ الأولى.. ويستمرّ ذلك الشّعور على امتداد مرحلة الكتابة وبعدها بوقت.. ما من شيء أقدر على إثارة الرّعب في قلب المرء كالتصدّي للكتابة عند من يعي جوهر الفعل الإبداعي وحقيقته. تتلبّسني الشّخوص التي أخلقها وتسكنني المصائر والوقائع وتحتويني الأمكنة والأزمنة حتّى لكأنّي أحلّ فيها حلولا يفقدني كلّ وعي بالواقع الذي أتحرّك فيه.  " أدهم الصّافي" بطل روايتي المائت ما زال مقيما معي، وهو من يفرض عليّ حضرته في نصّي الجديد وكأنّه شخص حقيقيّ لا شخصا ورقيّا كنت أنا خالقه وقاتله في الرّواية. كلّ مشروع نصّ جديد هو عندي مغامرة مرعبة، ولا أكاد أرتاح من مغامرة حتّى أدخل في أخرى. هذا قدر الكاتب الذي لا يملك له ردّا.
ـ هل صادف أن مثّل استحضار القارئ في ذهنك سلطة لحظة الكتابة؟
ـ نعم، دائما. أكتب وأنا أستحضر السّلطة التي أستبطنها عن القارئ الذي يحاصرني: من سلطة المجتمع البسيطة إلى سلطة المستبدّيْن الكبيرين: الدّين والسّياسة، وهما واحدة في نظري وإن بدتا منفصلتين. وجدت صعوبة في البحث عن أساليب مخاتلة سلطة العهد النوفمبريّ القاهرة حين كتبت روايتي " المائت "، والآن أواجه نفس المشكلة وأنا أحاول روايتي الثالثة منذ أكثر من عامين.. أظنّ أنّ الكتابة في جوهرها العميق هي محاولة مستمرّة لمواجهة هذه السّلطات ومناورتها.
ـ هل تمثّل الكتابة لديك حقّا " طقسَ عبور "، كما الصّلاة التي يفترض أن تنقطع فيها الذّات عن الزّمن الحسّي، زمن الحساب المشار إليه بالسّاعة للانخراط في زمن آخر يعلو على الأزمنة اليوميّة. والدّليل على ذلك أنّ الكاتب حين يراجع مكتوبَه بعد مدّة لا يكاد يصدّق أنّه هو عينه إيّاه من كتب ذلك النصّ، ويحدث له أن ينسى شروط كتابته.. هل الكتابة عندك " طقس عبور " بهذا المعنى؟
ـ هي كذلك عندي، فعلا، وخاصّة حين أكتب الشّعر. الشّعر في نظري بحث مستمرّ عن الحديقة التي أطلبها منذ وعيت ذاتي وأدركت معنى أن أكون إنسانا وفيّا لمعدن الإنسانيّة الحقّ. القصيدة عندي جسر يقود إلى المحلوم به وإن كانت رثاء له وإقرارا باستحالة إدراكه.. في مجموعتي الأخيرة " نصف قمر على ليل الحديقة " اختزال بليغ لهذا المعنى. وحين أقرأ قصائدي أجد فعلا صعوبة في تذكّر اللحظات التي وهبتني تلك النصوص والظّروف التي أملت عليّ معانيها وصورها. أتقبّل قصائدي كما يتقبّلها القرّاء، فتشدّني وتثيرني وكأنّ من كتبها شخص آخر غيري. يهبنا الشّعر عزاء وتسلية، فهو كالمسكّنات التي تحفظ السّير وتمنع من الوقوف أو السّقوط.
ـ هل توفّر الكتابة عندك ضربا من الإشباع العاطفيّ؟
ـ قد تكون كذلك.. لا أدري. ولكن ما أنا واثق منه أنّها توفّر لي حالات من الغِبْطة المتجدّدة.
ـ هل حقّا أنّ من لا يُدرك الغبطةَ ( والتي هي الفرح العقليّ ) لا يدرك حقيقة مِحْنة الكتابة؟
ـ تماما... من لا يعرف الغبطة والحالات الموجبة لها هو أبعد ما يكون عن معنى الكتابة باعتبارها محنة ومسؤوليّة. نعيش زمن كثرة الكتّاب ووفرة الشّعراء من جهة وقلّة المغتبطين بالكتابة والبالغين درجة النّشوة العقليّة التي لا تكون إلاّ حين نحفر عميقا في أنفسنا ونسلك إلى ذواتنا طريقا بكرا نسلكها ونغري بها السّالكين من بعدنا.
ـ هل يمكن اعتبار الكتابة تأجيلا ممطّطا للانتحار؟
ـ بل هي كذلك حتما.. هكذا صرت أعتقد منذ وقت ليس ببعيد. أصبحت أكتب ( وأقرأ أكثر ممّا أكتب ) حتّى لا يأكلني الفراغ ويلتهمني ذلك الشّعور المقيت باللاّمعنى وهو المرادف الأصدق للانتحار...
ـ يكفي أن نتصفّح ما تقذف به المطابع من كتب حتّى ندرك موتَ القيم الكبرى: " الحبّ " والصّداقة والحريّة والعدالة والكرامة والإيثار، في مقابل استئثار فظيع بالمكاسب والمغانم وسائر الثّروات الطبيعيّة، كما نبّه إلى ذلك الحكيم الهنديّ " أوشو ". لكن ألم يكن الوضع البشريّ كذلك دائما؟ لا تنبني حضارة إلاّ على حطام أخرى، ولا ينهض شعب إلاّ على حساب سواه من الشّعوب.
ـ في ثنايا سؤالك يتحرّك الجواب. أقرأ كتب التّاريخ، وبي ولع جديد بها، فلا أكاد أعثر فيها إلاّ على هذه الحقيقة: طبع الإنسان واحد منذ كان، وسيرته نفسها رغم ما تحاول " الحضارة " أن تحجبه عن أعيننا من تمكّن الجوع من الأنفس البشريّة. لم تفلح القوانين التي وضعها الإنسان إلاّ في تمكين الغريزة الغالبة من إشباعٍ مستمرّ يقرّ دائما بتفاوت الأفراد، وكذلك الأمم والشّعوب، في الأحقيّة بالمغانم والمكاسب. إنّه تقنين مهذّب للوحشيّة التي تسكن البشر ولغريزة الافتراس والقنص وإلغاء الآخر ومحو المُنازع على الثّروة.. أغلب الحكماء اهتدوا إلى هذا المعنى، والشّعراء هم على رأس طبقة الحكماء عندي.
كيف يقرأ الشّاعر الرّوائيّ كتاب أنباء العصر؟
ـ لا أرى إلاّ كلّ ما يدفع إلى الإحباط ويعجّل بحالات يأس موجعة.. كنت شاهدا في العقود الخمسة الأخيرة على وقائع ليس فيها من البهجة إلاّ ما تعلّق بالمنجز الشّخصيّ والمكاسب الذاتيّة المتاحة للجميع.  في حياتي أحلام كثيرة للوطن وللإنسان فيه، لم أحظ منها إلاّ ببارقة الحلم أو لمعة الرّؤيا التي سرعان ما تذوي وتضمحلّ.. محلّيا شهدت إجهاض أكثر من مشروع في ذات الشّهر ( يا للمصادفة ) من سنوات متباعدة: آخر السّبعينات، مطلع الثمانينات ثمّ  وصولا إلى هذه الخدعة الكبرى التي رفعتنا إلى سماء النّشيد شاهقا ثمّ هوت بنا إلى قاع بعيدة الغور من الوجع والأسى. أمّا كونيّا فلا يكاد يمضي يوم دون أن تشهد فيه البشريّة اندلاع حرب أو تفجّر صراع أو تدبير فتن وحياكة دسائس من أجل تدمير الأوطان ونهب ثرواتها وإهدار القيمة ومحو الإنسان. لا أقرأ في كتاب أنباء العصر إلاّ ملحمة السّراب التي لا نهاية لها.
ـ بمَ يحلم السيّد الرّوائيّ الشاعر؟
ـ على المستوى الشّخصيّ لا أحلم إلاّ بأن أقطع ما تبقّى لي من الطّريق محتفظا بنفس الرّوح الذي دلّني عليها ورافقني فيها. كتبتُ حياتي، ورسمت مساراتها وأنا أكتفي الآن بالمضيّ فيها إلى غايتي مطمئنّا.. لا أطلب غير ما أرى، وما أرى لا يعني شخصا غيري، ولا يقاس بأيّ مكسب ماديّ أو غنيمة، لهذا ربّما لست قلقا على ما أحلم به، فهو لي ولا أخشى عليه من أيّ منافس. وعلى المستوى المحلّي فالحلم عسير والإحاطة به في هذا الحيّز صعبة، ولكنّي أكتفي بهذا: أحلم بوطن صاحٍ، يعرف كيف يستخلص من العواصف دروسها ومن الأعاصير وصاياها ومن البراكين والزلازل ما يجعله بمنأى عن البراكين والزلازل القادمة... أحلم بوطن يعرف كيف يصون ذاكرته حتّى لا يقتل عشّاقه ويفتح أحضانه لقاتليه. أمّا على المستوى الكوني فأحلم بخلاص نهائيّ من هذا الوله القاتل بهذا القبيح الذي وجهه حسنٌ والذي نسمّيه " حضارة ". أحلم بأنّ يكفّ هذا الغول الذي يسمّونه رأس المال عن افتراس البشر، لأنّه لا يفترس في الحقيقة إلاّ نفسه.. على العالم أن يكفّ عن هذا التّفاني المحموم الذي يزداد جنونا يوما بعد يوم.
ـ ما هي الجمل التي تعتبرها من "عرائسك الحبريّة"  كما يقول القدامى و التي ستكون سعيدا لو احتفظت لك بها الإنسانيّة؟
ـ لا أذكر الآن عروسا من العرائس الحبريّة التي رسمتُ، ولست واثقا تماما من أنّي اهتديت إلى واحدة منها تليق بالبقاء وتستحقّ الخلود، ولكن قد تكون عبارة قالها الرّاوي في روايتي الأولى " ما لم يقله الشّاعر" عروسي الحبريّة الأثيرة: " حين تخذلك الرّوح ولا تهبك جناح النّور، يكون السّقوط مدوّيا وأليما ". أرجّح أنّي سأكون سعيدا لو سمعت من مداري البعيد هناك، بعد وقت، شخصا يردّد هذه العبارة أو يستدلّ بها في سياق حديث عن خلاصة عبورنا العابرهذا.
ـ ماذا تتــمنّى  لتونس  وتـَــتـَمنّى عليىها ؟
ـ لا أتمنّى لتونس التّراب والشّجر والجبال والحجر والأنهار والبحار، وسائر ما يسمّيها تونس ويجعلها حسناء على الدّهر، شيئا.. لأنّها تحفظ الوصايا جيّدا وتعرف كيف تصون فتنتها وتحفظ مدارها. أمّا تونس العباد والبشر فإنّي أتمنّى عليها أن تنتبه من غفلتها عن همس عشّاقها المخلصين وأن تكفّ عن التنكّر لعذابات الرّحيل بها إلى ما يحبّون لها.. أتمنّى عليها أن تصيخ إلى همس الصّادقين وأن تميّز بين الأيادي التي تغتال والأيادي التي تداوي، وبين القلوب الجشعة والقلوب المعطاء، وبين العقول المريضة والعقول الطّبيبة... أتمنّى على تونس البشر أن تهتدي إلى إنسانيّتها وتحفظ خير ما فيها.  
·     
لقد بقيتُ أرُدّدُ  بيني وبين نفسي   وأنا أطوي "الحوار / اللّقاء "  مع الروائي / الشّاعر لطفي الشابي : ""حين تخْذلك الرّوح ولا تَـهبك جناح النّور، يــكون السّقوط مُدوّيا وألـيـمـا "
·     

محرك البحث